مجمع البحوث الاسلامية

171

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ويبسه ، وكانت الصّدقة من الحبّ إنّما تؤخذ بعد دياسه وتذريته وتنقيته كيلا ، والتّمر إنّما تؤخذ صدقته بعد استحكام يبسه وجفوفه كيلا ، علم أنّ ما يؤخذ صدقة بعد حين حصده غير الّذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حصاده . فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون ذلك إيجابا من اللّه في المال حقّا سوى الصّدقة المفروضة ؟ قيل : لأنّه لا يخلو أن يكون ذلك فرضا واجبا ، أو نفلا . فإن يكن فرضا واجبا ، فقد وجب أن يكون سبيله سبيل الصّدقات المفروضات ، الّتي من فرّط في أدائها إلى أهلها كان بربّه آثما ، ولأمره مخالفا . وفي قيام الحجّة بأن لا فرض للّه في المال بعد الزّكاة يجب وجوب الزّكاة ، سوى ما يجب من النّفقة لمن يلزم المرء نفقته ، ما ينبئ عن أنّ ذلك ليس كذلك ، أو يكون ذلك نفلا . فإن يكن ذلك كذلك فقد وجب أن يكون الخيار في إعطاء ذلك إلى ربّ الحرث والثّمر ، وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ، ما ينبئ عن أنّ ذلك ليس كذلك ، وإذا خرّجت الآية من أن يكون مرادا بها النّدب ، وكان غير جائز أن يكون لها مخرج في وجوب الفرض بها في هذا الوقت ، علم أنّها منسوخة . وممّا يؤيّد ما قلنا في ذلك من القول دليلا على صحّته ، أنّه جلّ ثناؤه أتبع قوله : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ومعلوم أنّ من حكم اللّه في عباده مذ فرض في أموالهم الصّدقة المفروضة المؤقّتة القدر ، أنّ القائم بأخذ ذلك ساستهم ورعاتهم وإذا كان ذلك كذلك ، فما وجه نهي ربّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك ، والآخذ مجبر ، وإنّما يأخذ الحقّ الّذي فرض اللّه فيه . فإن ظنّ ظانّ أنّ ذلك إنّما هو نهي من اللّه القيّم بأخذ ذلك من الرّعاة ، عن التّعدّي في مال ربّ المال ، والتّجاوز إلى أخذ ما لم يبح له أخذه ، فإنّ آخر الآية وهو قوله : وَلا تُسْرِفُوا معطوف على أوّله ، وهو قوله : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ فإن كان المنهيّ عن الإسراف القيّم بقبض ذلك ، فقد يجب أن يكون المأمور بإتيانه ، المنهيّ عن الإسراف فيه ، وهو السّلطان ؛ وذلك قول إن قاله قائل ، كان خارجا من قول جميع أهل التّأويل ، ومخالفا المعهود من الخطاب ، وكفى بذلك شاهدا على خطئه . فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون معنى قوله : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ : وآتوا حقّه يوم كيله ، لا يوم فصله وقطعه ، ولا يوم جذاذه وقطافه ، فقد علمت من قال ذلك من أهل التّأويل . عن محمّد بن الحنفيّة ، في : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قال : يوم كيله يعطي العشر ، ونصف العشر مع آخرين ، قد ذكرت الرّواية فيما مضى عنهم بذلك ، قيل : لأنّ يوم كيله ، غير يوم حصاده . ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين : إمّا أن يكونوا وجّهوا معنى الحصاد إلى معنى الكيل ، فذلك ما لا يعقل في كلام العرب ، لأنّ الحصاد والحصد في كلامهم الجذّ والقطع ، لا الكيل .